عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

34

معارج التفكر ودقائق التدبر

التدبّر التحليلي : قول اللّه تعالى يخاطب الكفرة المعالجين إبّان التنزيل ، وهو موجّه دواما لكلّ أمثالهم : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 9 ) : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ ؟ : استفهام يراد به تقريرهم على الإثبات ، أي : بلى لقد أتاكم ، والخطاب موجّه للكافرين . نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ : أي : نبأ إهلاك الكافرين الّذين من قبلكم ، وهو خبر عظيم ظاهر ، يحرّض نفوس أهل العقل والرّشد للاستجابة لدعوة الحقّ ، الّتي يدعو إليها رسول ربّكم . قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ : وقد سبق في نجوم التّنزيل تفصيل لقطات متكاملات من قصصهم مع رسل ربّهم ، وكان كفرهم العنادي الأحمق سبب تعذيبهم وإهلاكهم إهلاك استئصال . وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ : وقد سبق أن جاء البيان عنهم مجملا في قول اللّه تعالى في سورة ( غافر / 60 نزول ) : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ ( 78 ) . ومعلوم أنّ الّذين لم يقصّ اللّه نبأ مفصّلا عنهم من الرّسل قد أرسلوا إلى أقوام لم يقصّ اللّه عنهم نبأ ، فهم لا يعلمهم من كتّاب تاريخ النّاس أو رواته أحد ، لكنّ اللّه يعلمهم علما شاملا ، وفيما أنبأ به كفاية عمّا لم ينبئ به .